
جميعنا نبدأ رحلتنا بهذه الجملة “لدي فكرة رائعة لسيناريو!” لكننا نعلم أن الأفكار ليست سيناريوهات فهي مجرد شرارة تؤدي إلى سيناريو كامل وما يجعل شيئًا ما سينمائيًا ليس الفكرة وحدها بل كيف تتحرك وكيف تتغير وكيف يمكن ترجمتها إلى مشاهد تُرى وتُحسّ
في كل مرة تأتيني فكرة لسيناريو، أشعر بحماس لفتح صفحة بيضاء والبدء بالكتابة فورًا. عشرون صفحة، ثلاثون، أربعون… ثم فجأة، أشعر أنني تهت بين شخصيات لا تعرف إلى أين تتجه وقصة واقفة في مكانها والحماس الذي كان يملؤني ذهب مع الريح…
وصلت إلى المنتصف ولم يعد لدي مكان أذهب إليه
أعتقد أن معظمنا مرّ بهذه التجربة. تكون لدينا فكرة نشعر أنها رائعة ونريد أن نراها مكتوبة بأسرع وقت ممكن. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين المفهوم والسيناريو. المفهوم فكرة مجردة، أما السيناريو نفسه فهو التزام طويل ورحلة نخوضها مع الشخصيات والصراع حتى نصل إلى آخر مشهد. نحتاج أن نعرف إن كانت الفكرة قادرة على مرافقتنا عبر عشرات الصفحات ومسودات عديدة قبل البدء بالكتابة. قد نجد الفكرة تتفكك بسرعة وأحيانًا تصبح أكثر وضوحًا وهذا مؤشر مهم
ومع الوقت بدأت ألاحظ شيئًا في كل فكرة تتحول فعلًا إلى قصة: أن يكون هناك إحساس بأن القصة تتحرك إلى مكان ما، حتى لو كانت حركتها بسيطة. وأن يكون فيها عنصر يمكن رؤيته بوضوح كفعل لافت أو لحظة توتر والتي تساعدنا على الشعور بالقصة قبل تحليلها. وهناك دائمًا خيط عاطفي لا نسمّيه بصوت عالٍ لكنه حاضر
بعض الأفكار تهمنا لكنها لا تتحول إلى نص لأن الجمهور لا يرى ما نراه نحن. الفكرة السينمائية هي التي يمكن تحويلها إلى مشاهد لا تحتاج إلى شرح مفصل. وإذا وجدت أن فكرتك تحتاج إلى تفسير طويل لتكون مفهومة، فهذا لا يعني أنها ضعيفة، بل ربما أنها ليست جاهزة بعد أو أنها تنتمي إلى أشكال سردية أو أدبية أخرى مثل قصة قصيرة أو مقال أو حتى فكرة أدبية تحتاج إلى مساحة مختلفة لتنمو فيها
الأفكار الجيدة تحتاج اختبارًا، حين نبحث عن جوهر الفكرة، نستطيع أن نرى بوضوح إن كانت تمتلك ما يكفي لتستمر معنا طوال الرحلة. بعض الأفكار تبدو قوية في البداية لكنها تنهار عند أول محاولة لتوسيعها، ليس لأنها مكتوبة بطريقة خاطئة، بل لأن بنيتها الداخلية لم تكن متماسكة من الأساس. وهنا تأتي أهمية خطوة بسيطة لكنها حاسمة
كتابة السطر الملخّص ليست مهمة إضافية بل أداة تساعدنا على اكتشاف ما تدور حوله القصة فعلًا. عندما نكتب جملة تجمع بين الشخصية والهدف والعقبة، نرى بوضوح ما إذا كانت الفكرة تحمل خطًا يمكن أن نتبعه. ومع الوقت يصبح هذا السطر أشبه ببوصلة صغيرة نعود إليها كلما تشوّش الطريق أو فقدنا الاتجاه
هذا الوضوح يحوّل المفهوم إلى سيناريو. فكرة “ماذا لو نسي شخص كل ذكرياته كل يوم؟” لا تزال مجرد مفهوم. لكنها تتحول إلى سيناريو عندما نقول: “امرأة تستيقظ بلا ذاكرة كل يوم وتجد ملاحظات تحذرها من زوجها.” هنا يظهر الصراع ويتجسد الخطر وتبدأ الحركة
والوضوح نفسه يساعدنا لاحقًا أثناء إعادة الكتابة. فكثير من مشاكل الصفحة الأربعين تبدأ فعليًا في الصفحة الأولى: هدف غير محدد أو صراع غير محفّز أو وعد لم يُصَغ بدقة. عندما يكون الأساس هشًا، تصبح إعادة الكتابة محاولة لترميم شيء غامض. أما عندما تكون الفكرة واضحة منذ البداية، فإن بناء العالم يصبح امتدادًا طبيعيًا لها بدل أن يكون عبئًا
لكن الوضوح وحده لا يكفي والانطباع الأول قد يخدعنا أحيانًا. الفكرة التي تذهلك فورًا ليست بالضرورة التي تصمد معنا طويلاً والفكرة التي تبدو عادية في البداية قد تكون هي الأعمق. فالفكرة القوية هي التي تستحق أن نكتبها حتى بعد التشكيك والتحليل. وأحيانًا تكون الفكرة التي تقلقنا أو تكشف رغبة داخلية هي الأجدر بأن نكتبها، حتى لو لم تبهرنا من الوهلة الأولى
الكتابة ليست مطاردة فكرة بل اكتشاف طريق. الفكرة التي تظل تلاحقك هي الفكرة التي تستحق أن تكتبها
أحيانًا يكفي أن نتوقف لحظة قبل الكتابة. هذه الوقفة الصغيرة تكشف ملامح السيناريو لاحقًا؛ فالفكرة الواضحة والمتينة هي التي تستطيع حمل الحماس حتى النهاية