
كل مرة أبدأ مسودة سيناريو جديدة، هناك فكرة تطاردني، صوت داخلي يقول لي إن عليّ أن أكتب شيئًا مكتملًا تمامًا وكأن السيناريو يجب أن يكون جاهزًا للتصوير غدًا أو على الأقل شيئًا يمكن أن أريه للآخرين دون خجل. ربما هذا الصوت هو أحد أسباب جفاف الإبداع عند الكاتب، ذلك الضغط غير المرئي الذي يجعلنا نتردد أمام الصفحة البيضاء
وما يزيد هذا الضغط أننا نتخيّل أن القصة تظهر كاملة منذ البداية، بشخصياتها وبنيتها ومشاهدها الأساسية. لكن أغلب النصوص لا تبدأ هكذا أبدًا
تبدأ القصة بجملة واحدة أو بصورة عابرة أو من خبر قرأناه أو قصة سمعناها من أحد، ثم تتراكم العناصر تدريجيًا حتى تبني القصة. المسودة الأولى هي المكان الذي نسمح فيه لهذه الفكرة الصغيرة أن تتحول إلى قصة أو أن تُجرَّب وتُختبر على الورق بدل أن تبقى محبوسة كفكرة مثالية غير مكتوبة أصلاً
شخصيًا أنا من محبي التخطيط المسبَق ومعرفة الأحداث الرئيسية في قصتي، لأن ذلك يخفف من توتري عندما أبدأ بالكتابة. إلا أنه حتى مع وجود خطة واضحة كنقطة بداية، تبقى المسودة الأولى هي مكان الاستكشاف دون قيود
عندما أتعامل معها كتجربة أولى، أجد نفسي أكتب مشاهد لم تكن في بالي وأعثر على طرق لم أخطط لها من قبل. أصبحت الآن أتقبل الفوضى، لأنها ليست عيبًا بل دليلًا على أن العمل حي ومتحرك وقادر على النمو. وعندما أذكر نفسي أن الغاية هي الوصول إلى مادة خام يمكن تشكيلها وليس إنتاج نص جاهز مئة بالمئة، أشعر بأن ثقلًا قد رفع عن أكتافي (أو حتى عن أصابعي)، وهنا أكون حرة للكتابة دون خوف
في البداية يكون كل شيء مختلطًا، من مشاهد لا نعرف أين نضعها وشخصيات متناقضة وثيمات نصف مطبوخة. ولكن عندما ننظر إلى الكتابة كحركة من الفوضى إلى الشكل، لا كقفزة من لا شيء إلى نص جاهز، نفهم أن وظيفة المسودة الأولى هي أن تتيح لنا فرصة لتنظيم هذه العناصر وإعادة تشكيلها في المسودات التالية
كل كاتب يبدأ بطريقته الخاصة. هناك من يبدأ من شخصية ويترك الأحداث تتكون حولها، وهناك من يبدأ من حدث أو حبكة محددة، ومن ينطلق من سؤال أو فكرة. المهم أن نصل إلى مدخل يناسبنا وأن نسمح للعناصر الأخرى مثل الحبكة والشخصيات والثيمات بأن تتشكل حوله تدريجيًا
عندما نتقبل أن تكون المسودة الأولى فوضى، فإننا نسمح لأنفسنا باستكشاف ما كان سيظل مجرد فكرة. قد نكتشف أن شخصية ثانوية هي في الواقع البطل الحقيقي أو أن مشهدًا ظننّاه هامشيًا هو مفتاح الصراع الدرامي في القصة
هذه الاكتشافات تحتاج إلى مساحة للظهور وهذا ما توفره المسودة الأولى عندما نكتب دون توقف أو رقابة ذاتية مفرطة
طبعاً من السهل أن نقول “اكتب بدون توقف” لكن تطبيقها صعب. كنت أتوقف تلقائيًا لأصحح كلمة أو أغيّر جملة، معتقدة أنني أحسّن النص، لكن كل مرة كنت أفعل ذلك كنت أقطع الخيط الذي يربطني بعالم قصتي. التعديل المبكر كان يعطل الكتابة بدل أن يساعدني
أما عندما أترك الجملة كما هي وأستمر، حتى لو لم تكن متقنة، أجد أنني أبقى داخل القصة. وعندما أصل إلى نهاية المسودة الأولى دون توقف، تمنحني القصة شكلها الأولي قبل أن أعود لاحقًا لتشكيلها وتحسينها
المسودة الأولى تكشف لنا ما لا نعرفه. عندما نكتب دون مراجعة، نفرغ كل ما في ذهننا على الورق، فتظهر الثغرات في الحبكة والضعف في الحوار أو عدم وضوح دوافع الشخصيات. أما إذا حاولنا كتابة مسودة متقنة منذ البداية، فإننا غالبًا ما نختفي وراء السطحيات ونصاب بالشلل بسبب السعي نحو الكمال
أحيانًا أتساءل لماذا نشعر بالإحباط عندما تكون المسودة الأولى غير مكتملة. ربما لأننا نسعى إلى النتيجة النهائية قبل المرور بعملية الإبداع نفسها. ولكن المسودة الأولى هي العملية الإبداعية والنص النهائي هو النتيجة
عندما نكتب المسودة الأولى، نحن لا نبني منزلًا بل نضع هيكله. الأساس يحتاج أن يكون قويًا بما يكفي لتحمل ما سيُبنى عليه لاحقًا. وعندما نلاحظ هذا الفرق، نتوقف عن النظر إلى المسودة الأولى كشيء يجب أن يكون مثاليًا ونبدأ في رؤيتها كأداة لاكتشاف ما يمكن أن تكون عليه القصة
عندما نكتب المسودة الأولى، نحن لا نكتب فقط قصة، بل نواجه مخاوفنا وتطلعاتنا وحتى شكوكنا. المسودة الأولى هي المكان الذي نواجه فيه عدم اليقين ونتعلم كيف نتعامل معه
الكثير من الكتّاب يتوقفون عن الكتابة لأنهم يشعرون أن ما ينتجونه ليس جيدًا بما يكفي. لكن إذا فكرنا أن المسودة الأولى ليست مقياسًا لمهارتنا وأنها مجرد خطوة في عملية أطول، فإننا نحرر أنفسنا من هذا الضغط
عندما ننتهي من المسودة الأولى، حتى لو كانت فوضوية، نكون قد حققنا شيئًا مهمًا: لقد أعطينا القصة فرصة وكتبناها. والآن يمكن أن نعود إليها بنظرة جديدة كقارئ. سنجد أن بعض المشاهد التي بدت ضعيفة تحتوي على بذور أفكار رائعة، وأن الحوار الذي بدأ مصطنعًا يمكن تحسينه ببضع تعديلات بسيطة
المسودة الأولى هي بداية الرحلة. كل فيلم ورواية وعمل فني عظيم بدأ كمسودة أولى غير مكتملة. الفرق بين الكتّاب الذين ينجحون والذين يستسلمون هو أن من أكملوا القصة رأوا أن الفوضى جزء طبيعي من العملية الإبداعية
وربما إذا تقبلنا ذلك، وتذكرنا أن الإبداع عملية متواصلة وأن كل مسودة خطوة أقرب إلى القصة التي نريد سردها، سنرى أن فوضى المسودة الأولى ليست عيبًا بل دليل على أن القصة تنبض بالحياة وأننا نمشي نحو اكتشافها وكتابتها أخيرًا.