لماذا أؤجل الكتابة؟ (بحثاً عن القصة المثالية)

ككاتبة سيناريو، أنا خبيرة في شيء واحد: تأجيل الكتابة نفسها.

وبينما أؤجل الكتابة… أجد نفسي أسأل: ما السر وراء القصص التي تبقى عالقة في ذاكرتنا؟ ليس لأنني أريد تحليل الأفلام (هناك خبراء لذلك)، بل لأنني أريد أن أكتب قصصاً لها هذا التأثير. وليس لأنني أبحث عن إجابات، بل عن طريقة لجعل المشاهد يعيش القصة بدلاً من مجرد مشاهدتها. أو ربما لأننا ككتّاب السيناريو، أحياناً، نميل إلى تعقيد الأمور أكثر مما يلزم ونبحث عن حلول في كل مكان ماعدا المكان الذي أمامنا: داخل القصة نفسه

ربما القصص التي لا تُنسى لا تصرخ ولا تعلن عن نفسها. هي التي نتذكرها في لحظات عادية: بينما ننتظر إشارة المرور أو نغسل الأطباق بعد وليمة عائلية. شخصياتها تعاود الظهور في أذهاننا، أو يظهر حوارها معناه الحقيقي فجأة، ربما السر ليس في ما تسرده القصة، بل في كيف تسرده

هذه القصص تترك لنا مجالاً لنرى أنفسنا في تفاصيلها. لا تفرض علينا مشاعرها أو آراءها، بل تساعدنا لنشعر بها بأنفسنا، كما لو أنها تمدنا بمرآة لنرى ما كان مخفياً فينا دون أن تخبرنا بما يجب أن نشعر

قرأت مرة أن ما يجعل القصص تبقى معنا هو التزامها بالحقيقة العاطفية. القصة الصادقة لا تحتاج لمطابقة حياتنا بالضبط، بل لمطابقة واقعنا العاطفي. نفهم ما في داخل الشخصيات دون أن نكون عشنا حياتها، وهذا يأتي في تفاصيل صغيرة: مثل الطريقة التي تنظم بها شخصية أغراضها بعد خسارة، كما لو أن ترتيب العالم من حولها يمكن أن يوقف انهيار قلبها أو مسبحة قديمة في جيب معطف يلمسها الشخصية كلما شعر بالقلق. هذه التفاصيل الصغيرة لا تخبرنا بالقصة؛ بل تفتح أبواب مشاعر كنا نحملها بالفعل

وأحياناً، أقوى اللحظات تحدث في الفراغات: الصمت الطويل بعد سؤال بسيط مثل “هل أنت بخير؟”، حيث الإجابة الحقيقية ليست في الكلمات، أو الطريقة التي يرمش بها شخص بعينيه بسرعة عندما يكذب كما لو أن عينيه تخونان لسانه أو حتى الابتسامة اللاإرادية عندما نرى شخصاً يستمتع بتفاصيل صغيرة مثل لقمة من كيك عيد ميلاد. هذه الصمتات تدعونا لنصبح مشاركين فعليين في القصة. عندما تناقش شخصيتان الطقس بينما يتحدثان في الواقع عن زوال زواجهما، يأتي التوتر مما لم يُقال. القصة تثق بنا لفهم ذلك، لملء الفراغات بذكرياتنا الخاصة

كما أن الشخصيات التي تظل عالقة في ذاكرتنا ليست تلك الكاملة أو المثالية؛ بل التي تحمل عيوباً مألوفة مثل عيوبنا. قوتها تأتي من طبقاتها الخفية: كيف تعيش الطيبة مع القسوة في شخص واحد أو أن يخفي الغرور خوفاً عميقاً. هذه الشخصيات عائبة مثلنا، تشعر كأنها يمكن أن تخرج من الصفحة وتستمر في العيش حياتها، تتخذ قرارات تنبع من هويتها، وليس فقط لخدمة الحبكة

ننجذب إلى القصص لأنها تلمس جوهر ما يعنيه أن تكون إنساناً. لا تعكس حياتنا فقط، بل تعيد تشكيل طريقة رؤيتنا لها. تعطينا لغة لمشاعرنا وتعمّق تعاطفنا مع الآخرين، وتذكرنا بأننا لسنا وحدنا في فوضى العالم أو فرحه

القصص الدائمة لا تبحث عن إجابات سهلة. بل تستكشف الغموض في عالم يطالبنا باليقينيات. تترك مجالاً للدهشة والأسئلة التي لا إجابة لها، ليس لأنها تتهرب، بل لأنها تعترف بأن بعض التساؤلات أكبر من أن تُحسم

ربما أؤجل الكتابة لأنني أبحث عن طريقة لكتابة قصة مثالية وأنا أعرف أنه شيء مستحيل. لكن أعرف أن السر ليس في الإجابات، بل في الأسئلة. في الثقة بأن القصة، إذا كانت صادقة، ستجد طريقها إلى من يحتاجها

القصص التي تبقى معنا تفعل أكثر من ترفيهنا. تعيد تشكيل طريقة رؤيتنا للحياة: تعطينا لغة لمشاعرنا، وتعمّق تعاطفنا، وتذكرنا بأننا لسنا وحدنا. تقول لنا: أنا أيضاً لا أعرف الإجابات. لكننا نستطيع الجلوس معاً مع الأسئلة، حيث لا شيء مؤكد، لكننا لسنا وحدنا

اكتب تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *