أهمية الحوار في السينما: فن الكتابة الدرامية

الحوار من أكثر الأدوات التي نستخدمها في الكتابة وربما لأننا نسمع الناس يتحدثون ونتحدث نحن أنفسنا، نفترض أننا نعرف كيف نكتب حوار نص… كيف يمكن أن يكون معقدًا؟ ولكن الحوار السينمائي شيء مختلف عن المحادثات اليومية فهو مُصمم ليبدو طبيعيًا بينما يحمل وظائف لا تحملها المحادثة العادية، كل كلمة فيه مختارة بعناية لتخدم غاية للقصة.

في السينما، الحوار يكشف الشخصيات ويخلق توترًا ويدفع أحداث القصة إلى الأمام. أما في حياتنا اليومية، نحن لا نتواصل بطريقة واحدة. أحيانًا نقول ما نريده مباشرة وأحيانًا نلمّح أو نتهرب أو نصمت أو نترك أفعالنا تتكلم بدلًا عنا. الحوار في جوهره شكل من أشكال التواصل وفي السينما نأخذ هذا السلوك الإنساني ونضعه تحت عدسة، كيف نختار شكله وإيقاعه وما يُقال وما لا يقال فيه، كله ليخدم لحظة درامية.

عندما نستمع إلى حوار حقيقي بين شخصين، نسمع الكثير من الكلام الذي يملأ الوقت من دون أن ينقل معلومة أو شعورًا محددًا. التكرار والمقاطعة والجمل غير المكتملة والتردد والكلمات الزائدة التي نستخدمها لملء الفراغ بينما نفكر فيما سنقوله بعد ذلك. هذا طبيعي في الحياة، لكنه على الصفحة يصبح ثقيلًا أو حتى مزعجًا. الحوار السينمائي يحتفظ بإحساس كأنه طبيعي، لكننا نختار كل كلمة بعناية، سواء كان الهدف كشف الشخصية أو تحريك ما يحدث أو بناء لحظة نشعر بها.

في مجالنا ما نراه ونسمعه هو ما يروي القصة أكثر من ما يُشرح لنا. الحوار جزء من هذه التجربة البصرية والسمعية، يعمل جنبًا إلى جنب مع الصورة والحركة والصمت. وعندما نكتب حوارًا، نحن نكتب شيئًا سيُسمع ويُرى، شيئًا يحمل معنى حتى عندما نراقب وجه الشخصية وهي تتكلم أو نلاحظ الطريقة التي تقف بها أو تبتعد عن الشخصيات الأخرى.

الحوار الجيد يعمل على أكثر من مستوى في نفس الوقت. قد تبدو الشخصيات تتحدث عن الطقس أو عن العشاء أو عن شيء عابر، لكن المعنى الحقيقي شيء آخر تمامًا. قد يكونان في الواقع يتحدثان عن خيبة أمل قديمة أو عن خوف مشترك أو عن حب أو اهتمام لم يعبر عنه بصوت عالٍ بعد. وفي هذه المساحة بين ما يُقال وما يُقصد يحدث الحوار الحقيقي، حيث نشعر بالتوتر والصدق.

مثلًا امرأة تجلس مع صديقتها التي تشكو من مشاكل زواجها، تسمع بصمت، ثم تقول: “كل الأزواج بيمروا بأوقات صعبة”. صديقتها تسألها: “وأنتي وزوجك؟” وهي ترد بسرعة: “نحنا كويسين”، ثم تغيّر الموضوع. هذه السرعة في الرد والانتقال المفاجئ إلى موضوع آخر تحمل كل شيء من سرًا تخفيه وحقيقة لا تستطيع مشاركتها وثقلًا تحمله وحدها.

أحيانًا أكتب حوارًا وأشعر أن الشخصيات تقول بالضبط ما تعنيه، كل شيء واضح ومباشر. وعندما أعود لقراءته، أجد أن شيئًا ما ناقص. الكلمات موجودة، المعنى واضح، لكن المشهد مسطح. ما ينقص هو تلك الطبقة الخفية، الشيء الذي يجعل الحوار يحمل أكثر من معناه الظاهر. عندما أعيد كتابة المشهد، أبحث عن الأشياء التي يمكن أن تُقال بطريقة غير مباشرة، اللحظات التي يكون فيها الصمت أو التردد أو تغيير الموضوع أكثر فصاحة من أي كلام.

كل شخصية لها طريقة فريدة في الكلام (مثلنا نحن) تعكس من تكون وما مرت به وكيف ترى العالم. البعض يتحدث بجمل طويلة والبعض يفضل الإيجاز والبعض يستخدم كلمات دقيقة والبعض يميل إلى التعابير العامية. هذه الفروقات تكشف شيئًا عن طريقة تفكير الشخصية وعن علاقتها بالعالم حولها. شخص يتحدث بجمل قصيرة ومباشرة قد يفضل الوضوح وشخص يستخدم استعارات ربما يستخدم اللغة لإخفاء ما يشعر به حقًا.

عندما أكتب حوارًا، أحاول أن أستمع إلى كل شخصية على حدة. كيف يبدو صوتها؟ ما الكلمات التي تختارها؟ ما الإيقاع الخاص بها؟ وأحيانًا أختبر الحوار بطريقة بسيطة، إذا حذفت اسم الشخصية من فوق الحوار… هل ما زلت أعرف من يتكلم؟ إذا كانت الإجابة لا، فهذا يعني أن الصوت لم يتشكل بعد، الشخصية ما زالت تتحدث بصوت ليس صوتها بعد.

في الحياة الواقعية، نتحدث لأسباب كثيرة، لنشارك معلومات، لنطلب شيئًا، أو لنعبر عن مشاعرنا، أو لنملأ الصمت. في السيناريو، الحوار يحمل بُعدًا إضافيًا، فالشخصيات تستخدم الكلمات لتحقيق شيء ما، لتغيير شيء ما، للحصول على شيء من الشخص الآخر. عندما تتحدث شخصية، هناك نية وراء الكلمات حتى لو كانت خفية من إقناع وإخفاء وكشف حقيقة وإيذاء وإصلاح علاقة، أو تجنب موضوع. كل جملة تحمل حركة تصنع توترًا داخل المشهد.

شخص يسأل سؤالًا بريئًا قد يختبر الشخص الآخر في الواقع. شخص يكرر كلمة معينة قد يحاول إقناع نفسه قبل إقناع الآخرين. وعندما ننتبه لهذه النوايا الخفية أثناء الكتابة، يصبح الحوار أكثر من تبادل معلومات، يصبح صراعًا صغيرًا أو محاولة، لحظة يحاول فيها شخص ما أن يصل إلى شيء أو أن يبتعد عنه.

أحيانًا، أقوى الحوارات هي التي لا تُقال. الصمت يمكن أن يكون أكثر فصاحة من أي كلام. التوقف قبل الإجابة، أو النظرة التي تُلقى بدلًا من الكلمة، أو السؤال الذي لا يُطرح، كلها لحظات تحمل معنى. عندما يسأل أحدهم سؤالًا ولا يأتي الرد مباشرة، نشعر بالتوتر. كم مرة صرخنا على الشاشة أن تقول الشخصية ما تعنيه، أن تكشف ما تخفيه؟ لكننا نعرف أنها لو فعلت، لانتهى كل شيء، التوتر والصراع وحتى القصة نفسها. هذا الإخفاء والكشف التدريجي هو ما يبني التوتر، ما يخلق تجربة تجعلنا ننتظر ونخاف ونأمل مع شخصيات القصة. هنا الصمت يخلق مساحة نملأها نحن كمشاهدين بتوقعاتنا ومخاوفنا.

كما يمكن للصورة أن تروي القصة والتفاصيل البصرية تحمل معنى أعمق من الشرح المباشر، كذلك الفعل أحيانًا يقول أكثر من الكلمات. شخص يضع يده على كتف شخص آخر يخلق لحظة أكثر صدقًا من قول “أنا هنا”. شخص يدير ظهره ويمشي بعيدًا يترك أثرًا أقوى من قول “أنا غاضب”. عندما نكتب، نبحث عن اللحظات التي يكون فيها ما لا يُقال أقوى مما يمكن أن يُقال.

للحوار في النصوص إيقاع، تمامًا مثل الموسيقى. بعض الجمل قصيرة وسريعة تخلق توترًا وحركة وبعضها طويلة وبطيئة تعطي مساحة للتفكير والشعور. عندما تتبادل شخصيتان جملًا قصيرة بسرعة، نشعر بالطاقة والصراع. أما عندما يتباطأ الإيقاع، عندما تأخذ الشخصية وقتها في الكلام، نشعر بالتأمل والعمق.

الحوار الجيد اقتصادي، كل كلمة فيه تحمل وزنًا. أحيانًا أفضل شيء يمكن أن نفعله هو حذف نصف ما كتبناه. عندما نراجع الحوار، نبحث عن الجمل التي لا تضيف شيئًا جديدًا، الكلمات الزائدة، التكرار غير الضروري. الحوار السينمائي يحتفظ فقط بما يخدم القصة. وأحيانًا نكتشف أن مشهدًا كاملًا يمكن أن يحدث في صمت وأن الصورة والفعل يقولان كل شيء.

ما تقوله الشخصية وكيف تقوله ينبع من هويتها ومن ماضيها ومن خوفها ومن رغباتها. شخصية تخفي ألمًا قديمًا قد تتجنب مواضيع معينة أو تغيّر الموضوع بسرعة عندما يُذكر الماضي. شخصية واثقة قد تتحدث بجمل تأكيدية. شخصية غير متأكدة قد تبدأ جملها بـ “ربما” أو تنهيها بسؤال. الحوار يكشف الشخصية ولا يشرحها والكشف يحدث في التفاصيل الصغيرة وفي اختيار الكلمات أو لحظات الصمت.

أجمل اللحظات في الحوار هي اللحظات الصغيرة غير المتوقعة من تعليق عابر يكشف شيئًا عميقًا، ضحكة في وسط محادثة جادة، أو تغيير مفاجئ في النبرة. هذه اللحظات تجعل الحوار إنسانيًا وحقيقيًا وأحيانًا تأتي عندما نسمح للشخصيات بمفاجأتنا، عندما نترك مساحة لشيء لم نخطط له بالضبط، لشيء يظهر أثناء الكتابة ويفتح بابًا لم نكن نعرف أنه موجود.

في النهاية، الحوار يعمل مع الصورة والصوت والحركة والصمت لخلق تجربة كاملة. عندما نكتب مشهدًا، نفكر في كل هذه العناصر معًا، الحوار الجيد يبدو بسيطًا وطبيعيًا على الصفحة لكنه يحمل طبقات من المعنى والعاطفة. إنه يكشف الشخصيات ويحرك ما يحدث ويخلق لحظات تبقى معنا.

اكتب تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *