
أحيانًا يمكن أن تكون لدينا فكرة واضحة، مع خط درامي مفهوم وحبكة تتحرك كما خططنا لها من مشهد إلى آخر وكل شيء يبدو في مكانه. ومع ذلك… قد يرافقنا إحساس بأن القصة ما زالت غير مكتملة، كأنها لم تشدّنا بعد. وفي كثير من الأحيان يكون هذا الإحساس مرتبطًا بالشخصية التي نتابعها داخل أحداث القصة.
فالأحداث وحدها لا تكفي وما يحرّك القصة هو الشخص الذي يمرّ بها ويتفاعل معها ويتخذ موقفًا منها. شخص يمكن تخيّله وهو يتردد ويخطئ ويحاول مرة بعد أخرى ويفشل وينهض ويحاول وقد يتراجع أحيانًا. وعندما تكون هذه الشخصية مبهمة أو مسطّحة، تبقى الأحداث “تتحرك”، لكننا لا نتعلّق بما يحدث ولا نشعر بأننا نتابع شخصًا له وزن حقيقي داخل القصة.
في هذه المرحلة السؤال الوحيد قد يكون إن كان هناك شخصية قادرة على حمل هذه الرحلة من بدايتها إلى نهايتها. ما نبحث عنه هو شخصية لها عالم داخلي ومنطق خاص وحضور يجعل تصرفاتها مفهومة في عالمها حتى عندما نختلف معها.
شخصية تتحرك لأن ما بداخلها يقود سلوكها لا لأنها تؤدي دورًا مطلوبًا داخل الحبكة. نحن لا نبحث عن شخصية مثيرة أو مثالية أو بطولية ولا عن شخصية صُمِّمت لتكون محبوبة أو مكروها. يبدأ بناء هذه الشخصية من الإحساس بأنها جزء من القصة نفسها، تتفاعل مع ما يحدث حولها وتؤثر فيها وتتأثر بها في المقابل.
عندما نبدأ بكتابة شخصية، نملأ صفحات بكل ما يمكن أن نعرفه عنها: العمر، المهنة، مكان العمل، الخلفية العائلية، الهوايات، وحتى التفاصيل الصغيرة التي توحي بأنها إنسان حقيقي مثل أكلاتها المفضلة أو لونها المفضل. ومع ذلك، حين تبدأ القصة فعليًا، قد نجد الشخصية موجودة على الصفحة لكنها، مع الأسف، لا تحرّك المشهد. تقول ما نحتاجها أن تقوله وتتحرك داخل الحبكة كما خُطط لها، من دون أن نشعر بأنها صاحبة قرار. كأنها تمرّ عبر أحداث القصة لكنها لا تعيش داخلها.
المشكلة تأتي من نوع التفاصيل وليس زخمها. علينا أن نفكر بما الذي تضيفه هذه المعلومات فعلًا إلى القصة؟ ماذا تخبرنا عن علاقة الشخصية بما يحدث لها؟ وهل تؤثر فعلًا على مسار الأحداث؟ قد نعرف ماذا تفعل الشخصية، لكننا لا نفهم لماذا تتصرف بهذه الطريقة. نعرف صفاتها، لكننا لا نرى ما الذي يجعلها تختار هذا التصرف دون غيره. هذه المعلومات كلها تصف ما نراه من الخارج، أما الدوافع فتُظهر ما الذي يدفع الشخصية إلى هذا السلوك.
من دون هذه الدوافع تبقى الشخصية مجموعة صفات تتحرك داخل الحبكة. قد تنتقل من نقطة إلى أخرى، لكنها لا تبدو وكأنها تملك إرادة خاصة أو سببًا واضحًا لما تفعله. الأهم هو ما الذي يقود أفعال الشخصية ويحدّد اختياراتها وكيف يتشكّل سلوكها عبر القصة وما الذي يؤثّر في قراراتها في لحظات الصمت والتردّد.
نجد في داخل كل شخصية متماسكة مساران يسيران معًا: ما تسعى إليه بوضوح، وما تحتاجه من دون وعي كامل به. أثناء تطوير القصة، نصل عادةً إلى المسار الأول بسرعة، لأنه واضح ويمكن تحويله بسهولة إلى فعل ومشهد. نراه في الهدف الذي تطارده الشخصية وفي الخطوات التي تختارها للوصول إليه وفي الطريقة التي تلاحق بها نتيجة معينة. هذا الاتجاه يمنح القصة نقطة نهاية ويحدّد شكل الأحداث لكنه وحده لا يكشف بالضرورة عمّا يحدث داخل الشخصية ولا عن سبب تعاطفنا معها.
أحيانًا نصل مع الشخصية إلى لحظة النجاح ومع ذلك نشعر أن الرحلة لم تنتهِ بعد، لأن شيئًا ما يظلّ غير محسوم في الداخل وهو ملموس في الخلفية ولم يظهر بشكل مباشر حتى بعد تحقّق الهدف الخارجي. هنا يأتي المسار الآخر الذي يبقى صامتًا لفترة أطول ولا يظهر كهدف واضح، ولا يُصاغ عادةً في جملة مباشرة. يمكن أن يكون حاجة إلى الأمان أو إلى القبول أو إلى التخلي عن فكرة قديمة عن النفس. وغالبًا ما يكون أثره واضحًا لنا قبل أن يصبح واضحًا للشخصية نفسها. نراه في ترددها وفي القرارات التي تؤجلها وفي الخيارات التي تتجنبها.
مثلاً يمكن أن نقول عن شخصية ما إنها منظمة وهذه معلومة صحيحة، لكنها عامة. أما حين نراها ترتّب الكتب على الرف كل ليلة قبل النوم لأنها تخشى الفوضى أكثر مما تحب النظام، نبدأ بفهم شيء آخر. هنا نرى سببًا يقود سلوكًا وليس صفة معلّقة في الفراغ. هذه الطبقات تظهر في السلوك وفي المقاومة وعند التقاء المسارين أو تصادمهما يبدأ التوتر الحقيقي في القصة.
تمضي القصة بسلاسة عندما يتحرك ما تسعى إليه الشخصية وما تحتاجه في الاتجاه نفسه فالأحداث واضحة والقرارات متوقعة. لكن عندما يبدأ التوتر بين المسارين، تتغير القصة. يظهر التردد وتتكرر المحاولات الفاشلة ويصبح الاستمرار بالمألوف غير ممكن من دون دفع ثمن. في هذا التوتر تحديدًا، تبدأ الشخصية في الكشف عن نفسها من خلال ما تفعله وما تعجز عن فعله في الوقت نفسه.
هذا الصراع لا يظهر عادةً في الحوارات الطويلة أو في الاعترافات المباشرة. الشخصيات نادرًا ما تشرح نفسها بهذه الطريقة فنحن نفسنا لا نفعل ذلك. يظهر بدلًا من ذلك في لحظات قصيرة وفي أفعال تبدو بسيطة لكنها تحمل دلالة أكبر. يظهر في طريقة التصرف أثناء الانتظار أو في رد فعل جسدي يسبق الكلام. في هذه اللحظات، الشخصية تكشف ما تشعر به من خلال سلوكها وما تسعى إليه يظهر في الأفعال الواضحة التي تدفع القصة إلى الأمام، أما ما تحتاجه فيظهر غالبًا في الأفعال التي تبدو غير مبررة في الوهلة الأولى أو التي تتكرر من دون سبب معلن.
بدل أن نقول إن امرأة تخشى فقدان شخص تحبه، يمكن أن نراها تلتقط هاتفها مرارًا وتنظر إلى الشاشة، ثم تعيده إلى مكانه قبل أن يرن. حتى التفاصيل اليومية تكشف هذا التوتر. شخص يستيقظ في الوقت نفسه كل يوم ويتبع روتينًا صارمًا قد يحاول الحفاظ على إحساس بالسيطرة في عالم يشعره بعدم الاستقرار. شخص آخر يترك يومه مفتوحًا بلا خطة قد يؤجل مواجهة قرار يعرف أنه لا يستطيع تفاديه طويلًا. هذه التفاصيل تحمل تفسيرات كثيرة وتترك إشارات يمكن تتبعها ولا تحتاج إلى شرح داخل النص.
وحين نبدأ بالانتباه إلى هذه التفاصيل أثناء الكتابة قد نلاحظ أن الشخصية لا تستجيب دائمًا لما نخطط له. نكتب مشهدًا، ثم نشعر أن التصرف الذي نريده لا ينسجم مع منطق هذه الشخصية في هذا الموقف. هذا الإحساس دليل على أن الشخصية لم تعد أداة لتحريك الأحداث فقط وأن قراراتها بدأت تنبع من منطقها الخاص. عندها نتوقف عن دفع الشخصية إلى ما نريده ونبدأ بمراقبة ما يمكن أن تفعله هي داخل الظروف التي وضعناها لها.