
في مجالنا، أحيانًا كتابة مئة صفحة أسهل بكثير من كتابة جملة واحدة… وهذه الجملة هي السطر الملخّص. المسألة ليست في الجهد ولا الوقت، المسألة في مواجهة شيء نحاول تأجيله دائمًا: ما الذي تدور حوله قصتي فعلًا؟ ما الذي أريد قوله؟ ومن هي الشخصية التي تقف في وسط هذا العالم؟
في المقالات السابقة، تحدثنا عن الفوضى التي ترافق المسودة الأولى وعن الأفكار التي تبدو متماسكة حتى نختبرها قليلًا وعن ذلك الشعور الذي يزور كل كاتب: هل الفكرة يمكن تطويرها لتصبح قصة؟ ومن هذا التساؤل يأتي دور السطر الملخّص كلحظة نتوقف فيها قليلًا لنكتشف ما تحاول القصة أن تقوله. نحن نكتبه لنرى ما هي القصة حقًا، قبل أن تتطور عبر صفحات تسرد في النهاية قصتنا، صفحات قد تجعلنا نشعر أن كل شيء واضح بينما القصة ما زالت تبحث عن شكلها.
السطر الملخّص بشكل مبسط جدًا يجمع شخصية ورغبة وعقبة ونبرة شعورية في جملة واحدة أو على الأقل محاولة للعثور على مكان تلتقي فيه كل هذه العناصر. يكفي أن نعرف من يتحرك داخل القصة وما الهدف المنشود وما العائق، لنعرف إن كانت القصة تتقدّم فعلًا أم أنها ما تزال تبحث عن شكل. ولا حاجة للتفصيل في الجملة نفسها، يكفي الإحساس بوجود هيكل يساعدنا على الإمساك بالخيط الأول.
الغريب أن الوضوح نفسه هو ما يجعل السطر الملخص يبدو متعبًا أحيانًا. كيف نختصر قصة كاملة نراها في أذهاننا، بشخصياتها وعالمها وتفاصيلها، في جملة واحدة؟ وما الذي يدخل في هذه الجملة وما الذي يُترك خارجها؟ لكن المسألة ليست في الاختصار هي مسألة الوضوح.
قد نتجنبه لأننا نخشى أن الفكرة قد لا تكون بذلك الوضوح الذي ظنناها أو أن ينكشف ترددنا في اختيار منظور محدد أو أن نرى ما كنا نتجنّب رؤيته وهو أننا لم نحدد بعد ما نريد متابعته حتى النهاية أو ربما لأننا متحمسون جدًا للبدء بالكتابة. وطالما أن القصة بلا جملة تصوغها، يمكنها أن تبقى واسعة ومريحة، قادرة على أن تتخذ أي اتجاه. أمّا الجملة فتدفعنا إلى التركيز على خط واحد، في وقت قد نفضل فيه الاحتفاظ بكل الاحتمالات مفتوحة.
وعندما نجرّب صياغتها، تظهر أسئلة لم تكن واضحة من قبل. هل توجد حركة حقيقية بين بداية السطر الملخص ونهايته؟ هل يتولّد توتر طبيعي بين الرغبة والعقبات؟ هل تحمل الجملة ما يمكن تخيّله بصريًا؟ هل توقظ شعورًا خفيفًا بالفضول؟ وإذا اختفى العائق، هل يختفي معه سبب وجود القصة؟ هذه أسئلة تعطينا إشارات تساعدنا على رؤية ما في داخل القصة. أحيانًا نكتب صياغة للسطر الملخص وتبدو مناسبة ثم نجرّب أخرى وفنكتشف أن الصياغة الأولى كانت تخفي غياب القصة، ثم صياغة ثالثة تكشف جانبًا كنا نجهله مثل ما الذي سيتغيّر لو نجحت الشخصية في القصة؟ وما الذي ينهار لو فشل؟ ومع كل محاولة نقترب خطوة من شكل القصة.
السطر الملخّص طريقة للتأكد من أننا نسير في الاتجاه الذي نريده. ومع تطور المسودة تتغير الجملة وتتوسع وتتطور وتكتسب معنى جديدًا. وقد نكتب شيئًا في البداية ثم نكتشف بعد مشاهد كثيرة أن القصة تسلك طريقًا آخر وهذا طبيعي وعلامة على أننا نتابع ما ينمو في القصة على الصفحة. ومع كل تعديل، قد نكتشف أن ما كنا نظنه محورًا ليس هو المحور وأن شيئًا آخر بدأ يتضح وهذا جزء أساسي من الكتابة.
وإذا أردنا نقطة بداية بسيطة، يمكن أن نكتب جملة عادية تبدأ بـ “هذه قصة عن…” ونرى أين تأخذنا. ثم يمكننا أن نسأل: ما الذي يحرك هذا الشخص؟ ما الذي يعترضه؟ ما الثمن الذي يدفعه؟ إعادة الصياغة هنا ليست بحثًا عن نسخة مثالية، بل عن نسخة صادقة لما نعرفه الآن.
ومن المفيد أيضًا أن نتذكر أن للسطر الملخص أشكالًا مختلفة بحسب الغرض منه. صياغته للكاتب تختلف عن صياغته للمنتج أو للمادّة التعريفية أو للبرنامج أو للسوق. جملة العمل الداخلي قد تكون أعمق وأهدأ، بينما النسخة التسويقية قد تميل إلى الوضوح والاختصار والجذب. الفرق طبيعي والقدرة على التنقل بين هذه الصيغ تمنح الكاتب حريّة أكبر بدل أن يشعر أن عليه الالتزام بجملة واحدة طوال الطريق.
السطر الملخّص يساعدنا على رؤية قلب القصة وهدفه تحديد الشيء الذي لا تستطيع القصة أن تعيش من دونه ويصبح الطريق أمامنا أوضح، وتصبح الكتابة أسهل.