السرد البصري وفن الكتابة السينمائية

عندما نكتب من السهل أن ننشغل بما حول القصة أكثر من القصة نفسها، فنحن نبني تفاصيل العالم والخلفيات ولدينا الملاحظات التي نكدّسها في الهوامش والأسرار الصغيرة التي نحفظها للشخصيات قبل أن يظهر أي منها على الصفحة. لكن وسط كل هذا الحماس للكتابة يبقى معنا سؤال بسيط يحدد ما إذا كانت فكرتنا مهيأة للسينما أم لا: هل ما نكتبه يمكن أن يتحول فعلاً إلى مشهد؟

القصة قد تكون ممتعة جداً على الورق، لكنها تصبح شيئاً آخر تماماً حين تتحول إلى صورة. هناك تلك اللحظة التي تنتقل فيها الفكرة من كلمات إلى حركة ومن الوصف إلى نظرة خاطفة ومن جملة بسيطة إلى شعور يُرى ولا يُشرح. وهذا التحول من كتابة تُقرأ إلى تجربة تُشاهَد هو ما نبحث عنه في كل مرة نكتب: فما الذي يجعل قصة ما سينمائية؟

نعرف أن السينما وسيلة لرواية القصة لكنها أيضاً لغة قائمة بذاتها. لغة تعتمد على إظهار المشاعر من خلال نظرة طائشة أو يد ترتعش وهي تمسك بكوب شاي أو صوت خطوات تبتعد في ممر فارغ أو ظل يتحرك على جدار بينما تبقى الشخصية ساكنة في مكانها. في السيناريو، الصمت أحياناً يقول أكثر من الحوار والتفاصيل الصغيرة مثل طريقة وضع شخص ما لمفاتيحه على الطاولة أو كيف ينعكس الضوء على وجه الشخصية وهو يستمع إلى خبر جميل يمكن أن يحمل المعنى كله.

هذا يعني أن السيناريو يختلف عن الرواية أو المسرحية فنحن نكتب شيئاً سيُترجم إلى صور متحركة وإلى لحظات بصرية ستؤثر على المشاهد قبل كلماتنا. لذلك يساعدنا أحياناً أن نفكر مثل مخرجين عندما نكتب: ما الذي يمكن أن تراه الكاميرا؟ ما الذي يمكن أن نسمعه؟ كيف يمكن أن نشعر بالمشاعر من خلال ما نراه أو نسمعه فقط؟ وكيف نتجنب شرح كل شيء بتفصل؟

مثالاً بدلاً من أن نكتب “كان حزيناً”، يمكننا أن نكتب “جلس على أريكة، يداه مضمومتان حول كوب الشاي، لا بخار يتصاعد منه، عيناه مثبتتان على باب المنزل، كما لو كان ينتظر شيئاً لن يأتي أبداً.” هنا الحزن ليس شيئاً يُقال لكن شيء يُرى من خلال التفاصيل التي تتجمع معاً لتقول أكثر مما يمكن أن تقوله جملة واحدة.

هذا المبدأ، الإظهار بدلاً من الإخبار، هو جوهر الكتابة السينمائية. السينما تحب أن نكتشف وأن نستنتج وأن نشعر. لذلك، عندما نريد أن ننقل مشاعر أو معلومات، علينا أن نبحث عن الطريقة البصرية أو السماعية لفعل ذلك. غرفة مليئة بالأشياء المبعثرة يمكن أن تخبرنا أكثر عن شخصية من صفحات من الوصف. بينما نافذة مفتوحة تطل على بحر هادئ، وكتاب موضوع على طاولة، يمكن أن تكشف عن شخص يجد السلام في اللحظات البسيطة. شخص يجلس وحده على طاولة كبيرة في مطعم فارغ يقول أكثر من أي عبارة عن الوحدة، بينما شخص يجلس على طاولة محاطاً بالناس، يبتسم لنفسه، يخبرنا عن الحب والدعم الذي يشعر به. الضجيج الخافت للمدينة من خارج النافذة أو الصمت الثقيل في غرفة مغلقة أو حتى طريقة مشي الشخصية، كل هذه الأشياء يمكن أن تروي قصة دون الحاجة إلى كلمة واحدة.

وضمن هذه اللغة البصرية، يصبح حتى المكان نفسه عنصراً سردياً. المكان حول شخصياتنا جزء من قصتهم. كيف يتحركون فيه؟ كيف يتفاعلون معه؟ شخص يمشي بسرعة في ممر ضيق يقول شيئاً مختلفاً عن شخص يجلس بهدوء في حديقة واسعة. كما أن المسافات بين الشخصيات يمكن أن توضح علاقتهم أكثر من أي كلام، فشخصان يجلسان قريبين جداً أو بعيدين جداً عن بعضهما يمكن أن يرويا قصة كاملة دون كلمة واحدة. حتى الحركة البسيطة يمكن أن تعبر عن المشاعر أكثر من الكلمات، فشخص يتفقد هاتفه كل بضع ثوانٍ ليس مجرد شخص ينتظر رسالة فهو شخص يأمل في شيء ما أو يخاف من فواته.

هناك أيضاً ما نسمعه أو ما لا نسمعه. فالصوت في السينما أكثر من مجرد حوار. هو ضجيج المدينة أو صمت الغرفة أو تنفس الشخصية، حتى الصمت نفسه يمكن أن يكون صوتاً، فصمت المفاجئ يمكن أن يغير معنى المشهد بالكامل. الصمت ليس غياباً للصوت لكنه صوت في حد ذاته إذا استخدم بالطريقة الصحيحة.

وبينما نبني عالمنا البصري والصوتي، نحتاج أيضاً للتحكم في إيقاعه. للسينما سلطة خاصة على الوقت، فيمكن أن تبطئ اللحظات أو تسرعها. يمكن أن تقطع بين المشاهد بسرعة أو تتركنا نغرق في لحظة واحدة. الإيقاع هو كيف نشعر بالوقت وهو يمر ليس مجرد سرعة الأحداث. مشهد سريع يمكن أن يخلق توتراً، بينما مشهد بطيء يمكن أن يعمّق التعاطف. قطع المشاهد في اللحظة المناسبة يمكن أن يترك تأثيراً أقوى من أي كلام.

كل هذه الأدوات من الصورة والصوت والإيقاع، تجتمع لتنقل ما يصعب قوله مباشرة وهي المشاعر الداخلية للشخصيات. فمن الصعب نقلها بالكلمات فقط، لكن يمكن أن نراها من خلال الأفعال والأغراض وحتى الطقس. شخص يفتح نافذة ويستنشق هواء الصباح بعمق بينما يبتسم، فهنا الانتعاش يمكن أن يكون رمزاً لبداية جديدة. مطر أثناء لحظة حزن أو شمس دافئة تدخل من النافذة بينما تبتسم الشخصية بعد أخبار سارة، كلاهما مثالان على كيف يمكن للطقس أن يعكس المشاعر. هذه كلها أدوات سردية ليست مصادفات.

لكن كيف نعرف أننا نجحنا في الكتابة بشكل سينمائي؟ عندما ننهي مشهداً، يمكن أن نسأل أنفسنا: إذا كتمنا الصوت، هل ما زلنا نفهم ما يحدث؟ هل يمكن أن نشعر بالمشاعر من خلال الحركة والأفعال فقط؟ هل ما نراه على الشاشة كافٍ لإيصال ما نريده؟ هل المكان يساهم في رواية القصة أم هو مجرد خلفية؟

إذا كانت الإجابات غير واضحة، ربما علينا إعادة النظر في كيفية سردنا للقصة. ربما نحتاج إلى أن نجرب إعادة كتابة المشهد أو أن نبحث عن الطريقة البصرية لنقل نفس المشاعر. قد نكتشف أن المشاهد أصبحت أقوى عندما نعتمد على الصورة بدلاً من الحوار.

في النهاية، ما نسعى إليه هو أكثر من مجرد سيناريو جيد، فنحن نسعى لصناعة تجربة. عندما نفكر بشكل سينمائي، نحن لا نروي قصة فقط، بل نبني عوالم يمكن للمشاهد أن يعيشها. وهذا هو السحر الحقيقي للسينما، أنها لا تخبرنا بالقصة فقط، بل تدعنا نراها ونشعر بها ونعيشها. كل مرة نجلس للكتابة، نحن نصمم صوراً وأصواتاً وتجارب تتحول إلى سينما.

اكتب تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *