
من الذي يقرر في قصتك؟
هل الشخصية هي من تختار المسار وتواجه العواقب؟ أم أن شخصاً آخر يقرر والشخصية تتبع؟ أم أن الأحداث نفسها تدفعها من مكان إلى آخر دون أن يكون لها رأي؟
الفرق بين شخصية تقود القصة وشخصية تُقاد بها هو الفرق بين قصة نعيشها ونشعر بها وقصة نشاهدها من بعيد.
نعرف أشخاصاً كهذا في الحياة. أشخاص تحدث لهم الأمور فيتفاعلون معها. لا يقررون شيئاً، الآخرون يقررون عنهم والحياة تجري بهم. غالباً هذا لا يزعجنا، لكن أحياناً نشعر بالإحباط ونريد أن نصرخ: افعل شيئاً! الشخصيات في السيناريو مستوحاة منا. وعندما نرى شخصية منفعلة في قصة نشعر بنفس الإحباط.
ما الفرق بين الشخصية الفاعلة والمنفعلة؟
الشخصية الفاعلة (retcarahC evitcA) تملك هدفاً واضحاً وتتخذ قرارات لتحقيقه. تختار وتتصرف وتواجه العواقب وتفشل، ثم تختار وتحاول مرة أخرى. هي من يقود القصة إلى الأمام.
الشخصية المنفعلة (retcarahC evissaP) تُدفع بها الأحداث. لا تملك هدفاً واضحاً أو لا تسعى إليه بإرادتها. الأحداث تحدث لها فتتفاعل معها. شخص آخر يتخذ القرارات والشخصية تتبع. هي أشبه بدمية تُحرك من مكان إلى آخر.
الفرق بسيط لكنه يغير كل شيء في القصة.
شخصية تريد شيئاً وتسعى إليه بنفسها، حتى لو فشلت، تشعرنا أننا نتابع رحلة. أما شخصية لا تريد شيئاً أو تُجبر على السعي وراء شيء لا يهمها، تشعرنا أننا نراقب أحداثاً تحدث لشخص ما وليس رحلة يختارها.
ما الذي يحدث عندما تكون الشخصية منفعلة؟
الشخصية المنفعلة تجعل القصة متوقعة ومملة. لأننا نعرف أنها لن تفعل شيئاً بنفسها، ننتظر أن يحدث شيء من الخارج يدفعها الى التصرف. وعندما يحدث هذا الشيء تتفاعل بطريقة يمكن توقعها لأنها لا تملك إرادة حقيقية أو هدفاً خاصاً بها.
الأسوأ من ذلك أن الأحداث التي تحركها غالباً ما تكون أهداف ورغبات شخصيات أخرى. القصة لا تدور حول هذه الشخصية حقاً، بل تدور حول شخص آخر والشخصية الرئيسية مجرد أداة في قصة غيرها. وهنا نفقد الاهتمام لأننا لا نعرف ماذا تريد الشخصية ولا نفهم لماذا تفعل ما تفعله. نشاهد فقط ردود أفعال لا اختيارات.
كيف تصبح الشخصية منفعلة؟
غالباً هذا يبدأ من البداية، من الحدث المحرك (tnedicnI gniticnI) نفسه.
الحدث المحرك هو اللحظة التي تبدأ فيها القصة فعلياً، الشيء الذي يكسر روتين الحياة العادية ويضع الشخصية على الرحلة إلى المراد. لكن إذا كان هذا الحدث لا علاقة لها برغبات الشخصية أو احتياجاتها، إذا كان مجرد شيء عشوائي يحدث لها فتُجبر على التعامل معه، فالشخصية تبدأ القصة منفعلة منذ المشهد الأول.
مثلاً حدث عشوائي يقع والشخصية تُجبر على التعامل معه لكن لا علاقة له بما تريده أو تحتاجه. ليس لها مصلحة شخصية فيه ولا يهدد شيئاً تهتم به. هنا الشخصية تتحرك لأن القصة تطلب منها ذلك وليس لأنها تريد شيئاً حقيقياً.
في المقابل عندما يكون الحدث المحرك يهدد شيئاً تريده الشخصية أو يمنحها فرصة للحصول على شيء تسعى إليه، عندها تختار الشخصية التصرف. الحدث يحدث لكن القرار بالتحرك قرارها هي.
الفرق هنا جوهري. ففي الحالة الأولى الشخصية مُجبرة وفي الثانية الشخصية تختار. ونشعر بهذا في الحياة أيضاً، نحتاج أن نكون نحن من يمسك بزمام الأمور في حياتنا بقدر الإمكان.
ماذا تعني “فاعلة” فعلاً؟
الشخصية الفاعلة لا تعني شخصية تتحرك كثيراً أو تشارك في مشاهد أكشن. الأمر يتعلق بالنشاط في اتخاذ القرارات.
الشخصية الفاعلة تملك هدفاً واضحاً، تعرف ماذا تريد أو على الأقل تعرف ماذا تحاول تحقيقه. وبناءً على هذا الهدف تتخذ قرارات تدفع القصة إلى الأمام من عقبة إلى أخرى. حتى لو كانت قراراتها خاطئة أو تؤدي إلى مشاكل أكبر، هي التي اختارت وتحملت النتيجة.
الشخصية المنفعلة لا تملك هدفاً واضحاً أو تُدفع نحو هدف لا يخصها. الأحداث تحدث لها والقرارات تُتخذ من حولها وهي تتفاعل مع هذه المعطيات. حتى عندما “تفعل” شيئاً فهي تفعله لأن شخصاً آخر طلب منها أو لأن الظرف أجبرها وليس لأنها اختارت بإرادتها.
الفاعلية في الإرادة وفي القرار وليس في الحركة. مثلاً شخصية هادئة تجلس وتفكر ثم تتخذ قراراً صعباً يغير مسار حياتها، هذه شخصية فاعلة حتى لو لم تتحرك من مكانها. شخصية تركض وتقاتل وتتنقل من مكان إلى آخر لكن كل هذا يحدث لأن شخصاً آخر قرر وهي تنفذ، هذه شخصية منفعلة حتى لو كانت في حركة مستمرة.
الشخصية المنفعلة والوسط الصعب
تحدثنا سابقاً عن الوسط الصعب، عن اللحظة التي يصل فيها الكاتب إلى منتصف القصة ويشعر أن كل شيء عالق. غالباً هذا يحدث لأن الشخصية أصبحت منفعلة.
نعرف ماذا تريد الشخصية (أو على الأقل نعرف ماذا يفترض أن تريد)، ونعرف إذا كانت ستحصل عليه أم لا في النهاية. لكن الوسط لا يضع أمامها عقبات حقيقية تجبرها على الاختيار (لا نجعلها تصعد الشجرة ثم نرمي عليها الحجارة).
العقبات في الوسط يجب أن تكون متصلة برغبات الشخصية واحتياجاتها. أن تضعها في مواقف تجبرها على اتخاذ قرارات أصعب فأصعب، قرارات تكشف من هي حقاً وماذا تريد حقاً. وإذا لم تكن العقبات مرتبطة بما تريده الشخصية، إذا كانت مجرد أحداث تحدث لها، فالشخصية تصبح منفعلة والقصة تتوقف.
الوسط هو المكان الذي تُختبر فيه الشخصية وإذا لم يكن هناك اختبار حقيقي مرتبط بإرادتها، لا يوجد تقدم حقيقي. وليس هذا ما نشاهده، نريد أن نرى شخصاً ينتصر، يحصل على ما يريد، ويصبح أفضل في نهاية القصة.
الشخصية المنفعلة ليست دائماً خطأ
هناك استثناء مهم. أحياناً الشخصية تبدأ منفعلة وهذا مقصود. قصص كثيرة تدور حول شخصية تبدأ سلبية، لا تتخذ قرارات، تترك الآخرين يقودون حياتها. ثم عبر القصة تتعلم كيف تصبح فاعلة. هذا قد يكون رحلتها الداخلية، من شخص منفعل لشخص فاعل. القصة نفسها عن هذا التحول، عن شخص يتعلم كيف يختار ويتحمل مسؤولية قراراته.
هنا البداية المنفعلة جزء من قوس الشخصية. الشخصية تبدأ بلا إرادة وتنتهي بإرادة واضحة. النمو هو النقطة من القصة.
لكن حتى في هذه الحالات يجب أن تكون هناك لحظة واضحة في القصة تتحول فيها الشخصية من منفعلة إلى فاعلة. لحظة تختار فيها بوعي أن تتصرف بإرادتها. وإذا لم تحدث هذه اللحظة، إذا بقيت الشخصية منفعلة حتى النهاية، فالقصة تفقد قوتها لأننا لا نرى تغييراً حقيقياً.
كيف نتأكد أن الشخصية فاعلة؟
السؤال البسيط الذي يساعدنا في بناء الشخصية: هل تختار أم تُجبر؟
في كل مشهد مهم، في كل نقطة تحول، نسأل: هل الشخصية اتخذت قراراً؟ هل كان أمامها خيارات واختارت واحداً منها؟ أم أن شخصاً آخر قرر أو الظرف أجبرها؟
إذا كانت الإجابة أن الشخصية اختارت، حتى لو كان اختيارها خاطئاً، فهي فاعلة. إذا كانت الإجابة أنها أُجبرت أو أن القرار اتُخذ نيابة عنها، فهي منفعلة.
ونسأل أيضاً: هل الشخصية تملك هدفاً واضحاً خاصاً بها؟ ليس هدف شخص آخر تساعده فيه؟ شيء تريده أو تحتاجه بشكل شخصي؟ إذا كانت الإجابة لا، فربما الشخصية تتحرك عبر الأحداث لكنها ليست فاعلة.
الشخصية الفاعلة تقود القصة
في النهاية الفرق بين الشخصية الفاعلة والمنفعلة هو الفرق بين قصة نعيش تجاربها وقصة نشاهدها عن بعد فقط.
الشخصية الفاعلة تجعلنا نستثمر عاطفياً بما يحدث. نهتم بقراراتها لأنها قراراتها هي، نخاف من فشلها لأنها تحاول أن تنجح، ونحتفل بنجاحها لأنها كسبته بإرادتها. حتى عندما تفشل نشعر أننا شاهدنا رحلة حقيقية لأن الشخصية كانت واقعية ومنطقية بناءً على قواعد عالمها في كل خطوة.
أما الشخصية المنفعلة تجعلنا نشعر بالملل وحتى بالإحباط. لأننا نعرف أنها لن تفعل شيئاً بنفسها، ننتظر فقط أن يحدث شيء يدفعها إلى فعل شيء، أي شيء. ولا نهتم كثيراً بما يحدث لها لأنها ليست حاضرة فعلياً في قصتها.
القصة تحتاج شخصية تتخذ قرارات وتواجه عواقبها وتستمر في الاختيار رغم كل شيء. شخصية نشعر أنها تعيش القصة وليست تُعاش عبرها.